ابن حزم
111
رسائل ابن حزم الأندلسي
اعلم أنه لا موجود أصلا ولا حقيقة البتة إلا الخالق وخلقه فقط ، ولا سبيل إلى ثالث أصلا . فالخالق واحد أول لم يزل . وأما الخلق فكثير . ثم نقول : أما الخلق فينقسم قسمين لا ثالث لهما أصلا : شيء يقوم بنفسه ويحمل غيره ، فاتفقنا على أن سميناه « جوهرا » « 1 » ؛ وشيء لا يقوم بنفسه ولا بد من أن يحمله غيره فاتفقنا على أن سميناه « عرضا » . فالجوهر هو جرم الحجر والحائط والعود وكل جرم في العالم . والعرض هو طوله وعرضه ولونه وحركته وشكله وسائر صفاته التي هي محمولة في الجرم . فإنك ترى البلحة « 2 » خضراء ثم تصير حمراء ثم تصير صفراء والحمرة غير الخضرة وغير الصفرة ، والعين التي تتصرف عليها « 3 » هذه الألوان واحدة لم تنتقل فتصير جسما آخر . وكذلك ترى الذهب زبرة ، ثم يصير سبيكة ثم يصير دينارا منقوشا والجسم في كل ذلك هو نفسه . وكذلك ترى الإنسان مضطجعا ثم راكعا ثم « 4 » قائما ثم قاعدا وهو في كل ذلك واحد لم يتبدل ، وأعراضه متبدلة متغايرة ، تذهب « 5 » وتحدث . ولا بد لكل ما ذكرنا من قسمي الخلق من صفات محمولة فيه أو معنى يوجد له يمتاز بذلك مما سواه ويجب من أجله الفرق بين الأسماء . وأما الخالق عز وجل ، فليس حاملا ولا محمولا بوجه من الوجوه وقد أحكمنا هذا المعنى في مكان غير هذا ، والحمد للّه رب العالمين على توفيقه إيانا . ثم نرجع فنقول : إنّ الصفات أو المعاني التي ذكرنا أنه لا بد لكل ما دون الخالق تعالى منها ، فإنها تنقسم قسمين : إما دالة على طبيعة ما هي فيه مميزة له مما سواه ، فاتفقنا على أن سميناها « 6 » « حدّا » ؛ وإما مميزة له مما سواه وهي غير دالة على طبيعة ، فاتفقنا على أن سميناها « 7 » « رسما » . ونقول : إن المحارجة « 8 » في الأسماء لا معنى لها ، وإنما
--> ( 1 ) إزاء كلمة « جوهر » وكلمة « عرض » في هامش س تعريف لهما . قال كاتبه : « وما في باطن الكتاب من كلام الشيخ على الجوهر والعرض قد خالف فيه كافة المحققين » . ( 2 ) كلمة البلحة كتبت فوق كلمة « النخلة » في س . ( 3 ) س : عليه . ( 4 ) ثم : سقطت س س . ( 5 ) قبل كلمة « تذهب » في س وقعت لفظة « فصفة » . ( 6 ) م : سمينا هذا . ( 7 ) م : سمينا هذا . ( 8 ) س : المحارحة ؛ م : المخارجة .